سيد محمد طنطاوي
444
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
للنبي صلى اللَّه عليه وسلم والمسئولون هم المؤمنون من بني إسرائيل كعبد اللَّه بن سلام وأصحابه . وعلى هذا التفسير يكون قوله * ( إِذْ جاءَهُمْ ) * ظرف لقوله * ( آتَيْنا ) * وجملة * ( فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ ) * معترضة بين العامل والمعمول . والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، وقت أن أرسله اللَّه - تعالى - إلى فرعون وقومه ، فاسأل - أيها الرسول الكريم - المؤمنين من بني إسرائيل عن ذلك ، فستجد منهم الجواب عما جرى بين موسى وأعدائه عن طريق ما طالعوه في التوراة . والمقصود بسؤالهم : الاستشهاد بهم حتى يزداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم ، لأن من شأن الأدلة إذا تضافرت وتعددت ، أن تكون أقوى وأثبت في تأييد المدعى . قال الآلوسي : والمعنى : فاسأل يا محمد مؤمني أهل الكتاب عن ذلك ، إما لأن تظاهر الأدلة أقوى - في التثبيت - ، وإما من باب التهييج والإلهاب ، وإما للدلالة على أنه أمر محقق عندهم ثابت في كتابهم . وليس المقصود حقيقة السؤال . بل كونهم - أعنى المسؤولين - من أهل علمه ، ولهذا يؤمر مثلك بسؤالهم » « 1 » . ويرى آخرون أن الخطاب لموسى - عليه السلام - ، وعليه يكون السؤال إما بمعناه المشهور أو بمعنى الطلب ، ويكون قوله * ( إِذْ جاءَهُمْ ) * ظرفا لفعل مقدر . والمعنى : ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ، فقلنا له حين مجيئه إلى بني إسرائيل : اسألهم عن أحوالهم مع فرعون ، أو اطلب منهم أن يؤمنوا بك ويصدقوك ، ويخرجوا معك حين تطلب من فرعون ذلك . والفاء في قوله : * ( فَقالَ لَه فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ) * هي الفصيحة . إذ المعنى : فامتثل موسى أمرنا ، وسأل بني إسرائيل عن أحوالهم ، وطلب من فرعون أن يرسلهم معه ، بعد أن أظهر له من المعجزات ما يدل على صدقه ، فقال فرعون لموسى على سبيل التعالي والتهوين من شأنه - عليه السلام - : يا موسى إني لأظنك مسحورا . أي : سحرت فخولط عقلك واختل ، وصرت تتصرف تصرفا يتنافى مع العقل السليم ، وتدعى دعاوى لا تدل على تفكير قويم . فقوله * ( مَسْحُوراً ) * اسم مفعول . يقال : سحر فلان فلانا يسحره سحرا فهو مسحور ، إذا اختلط عقله .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 184 .